هل أصبحت الإنسانية تحدي نواجهه هذه الأيام!؟

إجتماعي
1.4K
0
sample-ad

طبيب يروي قصة حدثت له أثناء مناوبته في المستشفى، عندما ذهب مع مشرفته بعد استدعاء إلى قسم الطوارىء، لمعالجة سجين ابتلع شفرة حلاقة وحاول قطع معصمه. وكان هذا الرجل في الثلاثين من عمره، بنيته الجسدية مشابهة لبنية الملاكمين، ورقبته مليئة بالوشم، ويديه مكبلتين بالأصفاد ،وحول معصمه الأيسر شاش يتسرب من خلاله الدم.

يقول الطبيب أن أول ما نطق به السجين عندما وصلنا، كانت كلمات مسيئة لمشرفتي استطاع من خلالها بأن يكون عنصري ومرعب بكلمات قليلة فقط، وقد كانت هي أمريكية من أصول آسيوية، وكانت هذه الكلمات كافية في جعلها تبتعد عنه فوراً، فإلتفتت إليّ وناولتني الأدوات وقالت “he’s all yours” وذهبت وكأنها تقول لي تولى الأمر.

حينها نظرت إلى ضابط الشرطه الذي كان مرافقاً مع السجين وكان واقفاً على يمينه.. لا أعلم أعتقد أنني كنت أنتظر منه أن يصرخ في وجه السجين، يضربه أو يوبخه .. لكنه وقف ساكناً. وتبادر إلى ذهني حينها “حسناً ما الذي يجب علي فعله الآن؟”.
في مثل هذه المواقف يتم اختبار مبادئك وقيمك وتمسكك بها، أنه لشيء صعب أن تقدم الإحترام في هذه اللحظات.

في بعض الأحيان تقابل من يفتعل معك المشاكل، ومن لا تأمنهم، وتشعر بأنهم لا يستحقون ثقتك، ويمكن أن يكون الموقف مخيف فتشعر بالخطر وأنه يجب عليك الابتعاد عنهم حالاً كما حصل معي.
وبالمقابل عندما نكتشف أن بعض الأشخاص أفضل مما كنّا نتوقع بلطفهم وكرمهم، نفهم بأنه لا يجب علينا أن نحب كل الناس ونثق بهم حتى نقتنع بإستحقاقهم للتقدير والإحترام. وأنه لا يجب علينا أن نحب أحدهم ونعجب به حتى نساعده.

نحن نقسم الناس بناءً على الخير والشر المطلق وهذا غير صحيح. يمكن أن يكون الشخص لطيف في مواقف وسيء جداً في مواقف أخرى. وهذا ينطبق علينا جميعاً، كل هذه التفاصيل جزء منا ولا يمكننا أن نعرّف أنفسنا بشيء واحد فقط.

ودون إنفتاحنا للطرف الأخر نفقد إنسانيتنا، ومن الصعب أن نقدم خدمة جيده للآخرين بدونها. علينا أن نضع أنفسنا في موضع هذا الشخص، ونستعد لطرح الأسئله حتى نصل لمشاعرهم. وهذا يتطلب الفضول بإنسانيتهم وبالعالم خارج حدودنا.

وعندما يستمر شعورنا بالخوف والغضب تصبح لحظات الفضول تحت تهديد الخطر- فضولنا العلمي، وفضولنا الفني وفضولنا الثقافي. وخلف هذه المشاعر يكمن احساس منطقي بأنه قد تم تجاهلك ولا يوجد من يسمعك. وهذا بالنسبة للكثير إشارة بأن من أمامك لا يهتم بما تعانيه، ولاسيما شكل الحياة التي مررت بها.

فتتكون لديك فكرة أنه لا أحد يشعر بما تمر به. إذاً لماذا أُبدي فضولي واهتمامي لأي أحد ؟. وعندما نفقد رغبتنا لفهم الشخص الذي أمامنا ولا ننصت لما يحدث حولنا نفقد إنسانيتنا. أهم قدرة تحملها معك هو فضولك وهي الطريق الى التعاطف.
وعندما يقول لك أحدهم، أن فلان سيّء أو مجنون أو حتى بطل أو ملائكي فإنه بهذه الطريقة، يُغلق كل السبل إلى فضولك. لا تسمح لهم بذلك، نحن جميعاً لدينا القدرة على أن نظهر الخير والشر. والقدرات يمكن أن تكتسب وتُفقد، ولكن إنسانيتنا هي ما تجعلنا متساوين.

عندما بدأت قصتي تعمدت ألا أذكر جريمة السجين، مع أن الضابط المرافق اخبرني بها . ولكنني لم أرغب في أن يؤثر ذلك على تقبلكم وتصوركم لموقفي.

نستكمل القصة..
إشارات السجين الحيوية كانت طبيعية. لم يكن هناك أي احمرار أو تورم في جسده. والأشعة أظهرت أن الشفرة لم تخترق جهازه الهضمي. ارتديت القفازات وبدأت بتفقد معصمه الذي احتوى على عدة جروح ولكن من حسن الحظ أنها لم تكن عميقه.
كنت أعلم مسبقاً أن بعض السجناء يقومون بأمور تؤذيهم بالحد الكافي الذي يجعلهم يخرجون للمستشفى بين فترة وأخرى. ولكن هذا السجين قام بالكثير وعرض حياته للخطر، يا ترى ما الذي دفعه لذلك؟.
حاولت أن استجمع فضولي لأعرف ما الذي دفع هذا الرجل إلى الهاوية وأوصله إلى هذه الحال . ولكنني لم استطع ، عيناي كانت ترى شخص فوضوي مجرم ومتسلط.
وبينما شرعت في خياطة الجرح على ساعده، استمر هو بسيل من الشتائم حول : المشفى، ضابط الشرطة، وطريقتي في معالجته. ولكنني ضقت به ذرعاً، فأنا لا أستطيع أن أؤدي عملي بشكل جيد وأنا أتعرض للإهانة. وكانت لدي رغبة قوية في أن أصرخ في وجهه بأن يصمت ويُقّدر قليلاً العمل الذي أقوم به. وفكرت لوهلة أن اتركه على حاله وأنسحب.
ولكن الذي استوقفني أنه بالرغم مما يظهره، كان يتمالك نفسه بشكل جيد وكان ثابت الحركة حتى يتيح لي خياطة الجرح. وفجأة تذكرت درس تلقيته من بروفيسور في الجامعه عن الوظائف العقلية؛ “عندما يتحدث الناس هم لا يعبرون عن أفكارهم فقط، هم يقومون بالتعبير عن مشاعرهم أيضاً، ومشاعرهم هي التي يرغبون من الناس أن ينصتوا إليها”. لذا توقفت عن الإنصات الى كلام المريض وحاولت التركيز على المشاعر.

فقلت له” تبدو غاضباً جداً وكأن أحدهم استثارك بقلة إحترامه”
فقال ” نعم، أنا كذلك، أنا أشعر أنني غاضب ولا أحد يحترمني”
فتغيرت نبرة صوته، وبدأ بالتحدث عن حاله في السجن وأخبرني بأنني لا أعرف مثقال ذرة من صعوبة الحياة التي يواجهها هناك، فقد وضعوه بزنزانة انفرادية لمدة سنتين، وبدأت تتدفق الدموع في عينيه وهو يتحدث، عندها هدأ هو وهدأت أنا.
وخلال الوقت الذي أمضيته معه .. كنت اخيط الجرح وأنصت لما خلف الكلمات من مشاعر وآلم. لم أفهمه وليس عليه أن يعجبني .. ولكن كل ما كان علي فعله كي أشعر بإنسانيته هو القليل من الإنفتاح والفضول.

في مرحلة من حياتك ستكون أنت في موضع ثقة، وسيطلب منك أحدهم المساعده في أشد لحظاتهم ضعفاً وستقدم لهم العون. وهذه الثقة لن تحوز عليها من العدم، فأنت تحمل المعاني والقيم التي تخولك للالتزام بمساعدتهم وبأن تكون منفتحاً لإنسانيتهم، لأنك إنسان.

المصدر: https://www.newyorker.com/news/news-desk/curiosity-and-the-prisoner
ترجمة: مرام الراشد

sample-ad

كلمات ذات صلة

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق